أحمد زكي صفوت
482
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
« إني واللّه لو لقيتهم واحدا ، وهم طلاع « 1 » الأرض كلها ، ما باليت ولا استوحشت ، وإني من ضلالهم الذي هم فيه ، والهدى الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة من نفسي ، ويقين من ربى ، وإني إلى لقاء اللّه لمشتاق ، ولحسن ثوابه لمنتظر راج ، ولكني آسى « 2 » أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجّارها ، فيتخذوا مال اللّه دولا « 3 » وعباده خولا ، والصالحين حربا ، والفاسقين حزبا ، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام ، وجلد حدّا في الإسلام « 4 » ، وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرّضائخ « 5 » ، فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم « 6 » وتأنيبكم ، وجمعكم وتحريضكم ، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم .
--> ( 1 ) طلاع الشئ : ملؤه . ( 2 ) أسى يأسى كفرح : حزن . ( 3 ) دولا : جمع دولة بالضم ، يقال : صار الفئ دولة بينهم : أي يتداولونه ، يكون مرة لهؤلاء ، ومرة لهؤلاء ، والخول : العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية ، وحربا أي أعداء . ( 4 ) يعنى الوليد بن عقبة بن أبي معيط - انظر ما قدمناه في ص 260 - ( 5 ) رضخ له من ماله كمنع : أعطاه ، والرضيخة : العطية المقاربة ، والجمع رضائخ ، وقوله « من لم يسلم » يصح أن يكون على حقيقته أو أن يكون معناه من لم يثبت على إسلامه ، يعنى أن من أنصار معاوية وأشياعه قوما من المؤلفة قلوبهم الذين استمالهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورغبهم في الإسلام بما أعطاهم من غنائم حنين ( وكانت غزوة حنين سنة ثمان بعد فتح مكة ) وكان معاوية وأبوه أبو سفيان من المؤلفة قلوبهم ، الذين نالوا عطاء الرسول . روى الطبري قال : « أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المؤلفة قلوبهم ، وكانوا أشرافا من أشراف الناس ، يتألفهم ويتألف بهم قومهم ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير . . . . إلى آخر الخبر - انظر تاريخ الطبري ج 3 : ص 136 ، وانظر أيضا سيرة ابن هشام ج 2 : ص 320 ، وقال ابن أبي الحديد : « فأما الذي رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاوية . . . » . وقال أيضا : « وقال الراوندي : عنى بقوله رضخت لهم الرضائخ عمرو بن العاص ، وليس بصحيح ، لأن عمرا لم يسلم بعد الفتح ، وأصحاب الرضائخ كلهم بعد الفتح صونعوا على الإسلام بغنائم حنين ، ولعمري إن إسلام عمرو كان مدخولا أيضا ، إلا أنه لم يكن عن رضيخة . . . وقال الأستاذ الشيخ محمد عبده في تفسيره : « قالوا إن عمرو بن العاص لم يسلم حتى طلب عطاء من النبي فلما أعطاه أسلم » وقد عرفت ما فيه وتعقب ابن أبي الحديد الراوندي أيضا فقال : « فأما الذي شرب الحرام فقد قال الراوندي هو المغيرة بن شعبة ، وأخطأ فيما قال ، لأن المغيرة إنما اتهم بالزنا ولم يحد ، ولم يجر للمغيرة ذكر في شرب الخمر ، وأيضا فإن المغيرة لم يشهد صفين مع معاوية ولا مع علي عليه السلام ، وما للراوندي ولهذا ؟ إنما يعرف هذا الفن أربابه اه » وقد ذكر في مقدمة شرحه أن الراوندي ( وقد شرح نهج البلاغة قبل ابن أبي الحديد ) كان من فقهاء الإمامية ، وأنه اقتصر مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده . ( 6 ) التأليب : التحريض والإغراء .